عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
146
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
المارستان لعلى أتروع وأنزجر بمن ابتلى ؛ فلما ولجت المارستان وجدت قلبي قد انفسح ، وصدري قد انشرح ، وإذا أنا بجارية من أنضر الناس وجها ، عليها أطمار حسنة رفيعة ، وشممت منها رائحة عطرية عفيفة المنظر وسيمة الخطر ، وهي مقيدة الرجلين ، مغلولة اليدين ؛ فلما رأتني تغرغرت عيناها بالدموع ، وأنشأت تقول : أعيذك أن تغل يدي بغير جريمة * سبقت تغل يدي إلى عنقي وما خانت وما سرقت وبين جوانحي * كبد أحس بها قد احترقت وحقك يا منى قلبي * يمينا برة صدقت فلو قطعتها قطعا * وحقك عنك ما رجعت قال السرى رضي اللّه عنه : فلما سمعت كلامها قلت لصاحب المارستان : ما هذه ؟ قال : مملوكة اختل عقلها ، فحبسها مولاها لعلها تنصلح ، فلما سمعت كلام القيم اغرورقت عيناها بالدموع ، ثم جعلت تقول : معشر الناس ما جننت ولكن * أنا سكرانة وقلبي صاحى أغللتم يدي ولم آت ذنبا * غير جهدي في حبه وافتضاحى أنا مفتونة بحب حبيب * لست أبغى عن بابه من براح فصلاحى الذي زعمتم فسادى * وفسادى الذي زعمتم صلاحى ما على من أحب مولى الموالى * وارتضاه لنفسه من جناح قال رضي اللّه عنه : فسمعت كلاما أقلقني وأشجانى وأحرقنى وأبكاني ؛ فلما رأت دموعي قالت : يا سرى هذا بكاؤك على صفته ، فكيف لو عرفته حق معرفته ؟ ثم أغمي عليها ساعة ، فلما أفاقت جعلت تقول : ألبستنى ثوب وصل طاب لبسه * فأنت مولى الورى حقا ومولائى كانت بقلبي أهواء مفرقة * فاستجمعت مذ رأيتك العين أهوائى من غص داوى بشرب الماء غصته * فكيف يصنع من قد غص بالماء قلبي حزين على ما فات من زللى * والنفس في جسدي من أعظم الداء